الخميس، 8 أبريل، 2010

نوستالجيا


أنظروا جيدا إلى الصورة ودققوا..للوهلة الأولى داخلنى الاحساس بأنه شرطى شرس يقتاد مجرما خطرا لحبسه..والحقيقة أن جزءً من هذا صحيح غير أنى وقد دققت فى الصورة أكثر شعرت بمزيج غريب من الأسى والحنين والخوف.

قلت لكم تمعنوا فى الصورة..هذا هو شرطى الأربعينيات والخمسينيات الذى كان لابد أن يبدو صارمًا ولكن العجيب أن ملامحه الصارمة تلك هى التى كانت توحى بالأمان لمن يراه..ملامحه تقول بوضوح أنه لن يتهاون أبدا مع من يتجاوز حدوده وتتوعد من يفعل بالويل..من كان يمكن أن يشعر بالخوف بعدما يرى هذا الرجل يجول بشاربه المنمق ونظراته الصارمة ومشيته العسكرية العتيدة؟

الآن دعكم من الشرطى وتفحصوا اللص..ذاك الذى كان يبدو شرسا خطرا منذ دقائق ثم بعد لحظة من تأمل ملامحه تكتشف أن هذا البائس ربما لم يكن سوى خضرى حاول أن يرفع ثمن (الوقة) من بضاعته مليما أو اثنين أملا فى أن يتمكن من شراء قطعة حلوى لأطفاله وهو يتوجس من مداهمة البلدية له الأمر الذى حدث بالفعل كما تشهد الصورة..ربما تم حبس هذا الشقى (من الشقاء لا الشقاوة) يوما أو اثنين فى التخشيبة..لم يتعرض للصعق بالكهرباء أو التعليق على باب غرفة المأمور أو عرضه على اليوتيوب وهو يتلقى 5673652 صفعة فى الدقيقة.

عندما تقع عينى على صور مصر القديمة أشعر بحنين غريب كأنما كنت موجودا وشاهدا على تلك الأيام..بالأسى على ما صار فى أيامنا هذه..بالخوف مما يمكن أن تتدهور إليه الأمور.

وخلاص....

الأحد، 25 أكتوبر، 2009

قوارير العطر وسط القمامة..زهور فى حضن الجبل..شيئ من هذا القبيل


أعرف أن العنوان ليس شاعريا بالمرة لكنه يخطر ببالى دوما..عندما ترى قارورة من أفخم وأغلى أنواع العطور ملقاة باهمال وسط كوم من القمامة والمجارير الطافحة فلابد أن تشعر بالأسف والحسرة وأن تتساءل عن التركيبة النفسية الغريبة التى ألقت بهذا العطر فى هذا المكان.

الموسيقى فن من أجمل وأرقى الفنون..ولعل هذا هو السبب الوحيد الذى يجعلنا نتعامل معها بقدر مخيف من الاستخفاف والامتهان وانعدام الذوق ضمن الخطة الأكبر والأكثر نجاحا فى مصر الرامية إلى تدمير كل شيئ جميل وراق ويحمل لمحة من الذوق الرفيع..المؤسف أن الناس هم من يخططون وينفذون تلك الخطة بحرفية وبراعة شديدتين بدون اتفاق مسبق ودون أن يجتمعوا ليلا فى الأقبية المظلمة يخططون لمحو أى ملمح راق فى مصر على خلفية من الضحكات الشيطانية..لا..هذا السيناريو يتم تنفيذه بمنتهى التلقائية أى أن الهبوط والتردى و – لا مؤاخذة – المسخرة هى ما يجذب الناس فعلا ويستهويهم.

بالطبع لا يحدث ذلك بمعزل عن الاتجاه الجماعى العام نحو التردى فى كل شيئ..لكن أحيانا أشعر بأنه ليس كل شيئ يحدث رغما عن إرادة الناس كما هو شائع..قد اقبل هذا التفسير فى حالة الازمات الاقتصادية أو تدهور التعليم..لكن فى مسألة الأذواق هذه بالذات لا شيئ خارج عن الارادة..لا أحد يسمع أو يشاهد شيئا وهو مجبر عليه..الأذواق تنحط مع سبق الاصرار والترصد لأى شبهة رقى تطول أى عمل..فيلم..أغنية..مقطوعة موسيقية..الموسيقى بالذات لم يعد لها مكان وسط جوقة المنهقين وراقصات الاستربتيز والحمير الذين يغنون للحمير والحناطير.

ما علاقة كل ذلك بالعطور والقمامة؟

هناك من لا يزالون يحملون المشاعل..صحيح أن مساحة الظلام شاسعة وليست هناك نقطة نور تلوح فى نهاية النفق إلا أن بعضهم أخذ على عاتقه حمل مشاعل النور..ولكم هى ثقيلة تلك المشاعل خاصة وأنهم يحملونها ويسبحون ضد التيار فى نفس الوقت وعليهم أن يتفادوا قطرات الطين المتساقط من كل حدب لئلا تنطفئ المشاعل ويذوى أريجها العطر..علينا أن نلتحق بركبهم ونسير فى مواكبهم على هدى الضوء الخارج من مشاعلهم..علينا ان نتتبع أريج عطورهم.

عمر خيرت
عمار الشريعى
ياسر عبد الرحمن
راجح داوود
نصير شمة
وغيرهم

أنتم حملة المشاعل..
أنتم قوارير العطر وسط اكوام القمامة ..

أنتم زهور فى حضن الجبل..

أنتم شيئ من هذا القبيل.

السبت، 11 يوليو، 2009

مولتوف


المولتوف اختراع جميل يمكنك من اشعال النار فى الناس الذين لا تطيقهم وهم كثيرون بالتأكيد..زجاجة لطيفة الشكل تحتوى على سائل أو خليط من السوائل القابلة للاشتعال وفوهتها مسدودة بقطعة من القماش المنقوعة فى السائل لإشعال النار فيها والآن هى جاهزة للاستخدام..ثوان ويتحول الشخص الذى يزعجك إلى سجق وهو مشهد يسيل اللعاب.

لست ساديا..أنا عجوز مسالم يرغب فى الحياة بهدوء ولا يطيق الازعاج فمن فضلكم لا يلومنى أحد لأننى سأضرم النار فى أحدهم..فالحرق بالنار يعد نوعا من التدليل بالنسبة لما يستحقه البعض.

الآن أنا أقف فى شرفة الدار ومعى زجاجة مولتوف واحدة (هى التى ترونها فى الصورة أعلاه)..والمشكلة هى اننى لا أعرف على من تحديدا يجب أن القيها..إننى أحتاج إلى مخزن بحجم قارة آسيا يمتلئ بالزجاجات وكما من السوائل المشتعلة يوازى ما فى المحيطات الأربعة من ماء..سأقضى البقية القليلة من عمرى فى تعبئة الزجاجات والقائها على من يستحقونها..وهم كثيرون..كثيروووووووون.

خذ عندك مثلا:
-الآباء والأمهات الذين يتركون أطفالهم يتشيطنون فى الاماكن العامة التى لا تسمح بذلك كالقطار وعيادات الأطباء

- الشخص الذى يستمع للأغانى على ذلك الاختراع الشيطانى اللعين (الموبايل) بصوت عال فى الأماكن العامة وبالذات وسائل المواصلات ساعة الذروة..وكل ساعات اليوم أصبحت ذروة بالمناسبة

- قائدى السيارات فى مواكب الزفاف الذين لا يرفعون أيديهم عن آلات التنبيه وذلك لتنبيه الناس أن أحدهم يتزوج..كأن هذا شيئا جميلا أو حدثا يستحق الذكر وخاصة فى الثالثة بعد منتصف الليل

- الذين يستخدمون آلات التنبيه بإفراط وبدون مناسبة خاصة ذلك الشاب الرقيع الذى اشترت له أمه سيارة حديثة ليقودها بطريقة تذكرك بمشهد محمود عبد العزيز وهو يركب الدراجة النارية فى فيلم الكيتكات وهو يصر على أن يصحو الجميع من نومهم ليروا اللعبة التى اشترتها له ماما

- أصحاب المحال الذين يرفعون صوت الكاسيت لأعلى درجة بل ويقومون بتركيب أجهزة شيطانية ترفع من صوت الكاسيت أكثر..ناهيك عن نوعية الأغانى التى يسمعونها ويصرون على أن تسمعها المدينة كلها معهم

- سائقى الميكروباص أيضا يشتركون مع أصحاب المحال فى ذلك..وهم دائما سليطو اللسان هم والتباعون ويفخرون بذلك كثيرا..الأطول لسانا والأعلى صوتا هو الأكثر نفوذا

- الشباب الواقفون على النواصى فجرا يمزحون بأعلى صوت لديهم ويتبارون أيهم يوقظ عددا أكبر من سكان الشارع

- الشباب الذين يتحرشون بالفتيات قولا أو فعلا

- أستاذ الجامعة الذى يشعر أنه مهم أكثر من اللازم ويحيل حياة الطلبة إلى جحيم

- أصحاب الأفراح فى الحوارى الذين يسهرون مع ال d.j إلى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل

- الشخص الذى اخترع ال d.j

- سائق المترو الذى يعطل الناس عن أشغالهم صباحا أو يتركهم يشوون فى تلك المحرقة ظهرا ليمازح زملاؤه على الرصيف

- زملاء سائق المترو آنف الذكر

- خطيب الجمعة المتجهم المتعصب الذى يتشنج و(يشخط) فى المستمعين الغلابة ويقول أن ذهاب الفتيات للجامعات هو سبب كل الشرور فى هذا العالم

هذا غيض من فيض..عينة فقط لا أكثر..والذين يستحقون الحرق أكثر من هؤلاء بالتأكيد..المشكلة أن معى زجاجة واحدة..واحدة فقط.

الجمعة، 26 يونيو، 2009

بالحلال.. طبعا


لم يكن لها حيلة فيما جرى فالأمر ما امروا
وهل كان بوسعهم رفض اغراء كهذا؟..الحاج سامى كان قادما من الكويت فى اجازة قصيرة وكان بحاجة الى زوجة..فترة الاجازة فقط
شيخ فى الرابعة والستين بحاجة الى زوجة؟..نعم..وفترة الاجازة فقط فلم يكن له أبناء فى مصر..هم فى الخارج..وكأن هذا ذنبها..وهم..هم فقراء يكفون يومهم بصعوبة وتدبير..تدبيق كما يقولون..فهما كانا أبوين لستة من اعمار مختلفة وكانت هى كبراهم..وكان هذا -أيضا- ذنبها
ولم يكن بوسعها الاعتراض فهى كانت بطبيعة الحال..خرساء..وكان هذا ذنبا آخر..وجميلة..وكان هذا ذنبا ليس الاخير
كانت لهم جارة تتربح من نشاطات غريبة غامضة وفى هذه الايام الغبراء كثرت الجارات اللائى يتربحن من النشاطات الغريبة الغامضة - وهذا أيضا أحد ذنوبها – هى من دلت الحاج سامى على بيتهم..فهى كانت تعرف طلبه جيدا..شابة جميلة تقضى معه فترة اجازته..بالحلال..طبعا..وبثمن خيالى..خيالى بالنسبة لساكنى الأسطح مثلهم
بيع..هذه هى الكلمة..انهم يبيعونها..لا..انهم يؤجرونها فقط..فهم أيضا كانوا يعلمون ان الأمر لن يطول..وكله بالحلال..طبعا
مندهشة هى من اصرار شيخ كهذا على ان يتزوج أياما معدودات..بحجة الحاجة لمن يراعيه فى زيارته..كان يمكن أن يؤجر خادما..أو حتى خادمة
لكنهم لم يقفوا طويلا امام أسئلة عقيمة كهذه فالثمن كان مغريا بحق..
- ده شرف لينا يا حاج سامى
هكذا كان رد أبيها على رغبة الحاج:
- بنتك هتعيش معايا معززة مكرمة
هى لم تسمعه يقول هذا..بل سمعته - بمنتهى الوضوح – يقول:
تبيعوا لحمكم بكام؟
وكان أبوها يرد بامتنان:
اللى تجود بيه يا حاج
ولم يرد ذكر فترة الاجازة فى الموضوع..فجارتهم الغامضة أوضحت لهم كل شيئ..وقالت لهم ان كله فى الحلال..طبعا
فتحت فمها..ثم تذكرت أنها بكماء..ولم تكن لتنطق لو لم تكن بكماء فالغصة فى حلقها تقف كالسد..أشارت بيديها..هزت راسها يمينا ويسارا..ضربت الارض بقدميها..فعلت كل ما بوسعها لتعبر عن الرفض..ولم يكن احدهم على استعداد لسماعها بل لم يكونوا على استعداد حتى للنظر فى عينيها
أبوها يقول:
الحاج سامى راجل محترم وهيحافظ عليكى..سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال اذا جائكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه..وكله فى الحلال..طبعا
كانت تسمعه - بمنتهى الوضوح – يقول:
اذا جائكم رجل من الكويت بمبلغ زى ده..اوعوا ترفضوا طلبه..حتى لو كان لحمكم
وتسمعه أيضا – دون ان ينطق – يقول:
اخواتك مصاريفهم كتيرة والعيشة بقت نار..وانت مايرضيكيش البهدلة اللى احنا فيها دى
وهنا صمتت..صمتت من الاعياء ومن اليأس ومن فرحة اخوتها الصغار بالسيارة الفارهة التى رقدت أمام بيتهم عندما جاء الحاج وكل منهم يمنى نفسه بنزهة الاحلام فيها
وظلت على صمتها – هى خرساء على كل حال- فى يوم الزفاف وامها تضيف لمسات الزينة على وجهها الجميل بطبيعته..وجهها الجميل الذى كان شؤما عليها..ومنجم ذهب عليهم
وحتى لو لم تكن خرساء..ما كانت لتنطق بحرف وهى تخطو الى شقة الحاج سامى التى تكلفت اموالا طائلة لم تنقص شعرة من ثروة الحاج
وخطر لها أن ثمن أقل تحفة فى الشقة يفوق الثمن الذى تقاضاه اهلها وهم يبيعونها..حقا كاد الفقر أن يكون كفرا
ماحاجة ذلك الرجل الى الزواج؟..حتى الان هى لم تعرف الاجابة ..وأغلب الظن لن تعرفها..ولماذا هى بالذات مادام يملك ما يمكنه من الزواج بابنة أكابر؟..ثم فهمت..الأكابر لا يبيعون لحمهم..هو كان بحاجة لمن يبيع لحمه..ولقد وجد
كان يبرم صفقة بالملايين عبر الهاتف فى غرفة النوم وهم بملابس الزفاف بعد..تأملت صورتها فى المرآة العملاقة..كانت جميلة بحق – هى لا المرآة- وكان هذا ذنبها
خطت ببطء نحو الشرفة وهو من وراءها يصيح فى الهاتف:
- سبعة مليون..مش ستة يا باشا..ربنا يباركلنا فى معاليك
وبفستان الزفاف وقفت ترمق المارة فى الشارع..بكم يبيع كل واحد منهم لحمه؟
- بعد بكرة بأمر الله هندخل مزاد المراكب القديمة..مش هاوصي معاليك يا باشا
كانت تلعن الحاج॥تلعن الفقر..تلعن جمالها..جارتهم..وأبويها أيضا..تلعن كل ذلك وهى تتسلق سور الشرفة ..تلعن كل شيئ فى الدنيا وهو يضع السماعة ويلتفت خلفه ليرمقها بذهول وعنقها يلتوى للوراء لتلقى عليه نظرة باردة خاوية..وتقفز।



انتهت القصة॥وطبعا يا حبايبى الصغيرين هى قصة خيالية مبتحصلش فى الواقع لأنه فى الواقع الناس مرتاحين ومبسوطين والمواصلات فاضية والأسعار رخيصة ॥ أنا بس حبيت احكيلكم حكاية قبل النوم (انتو بجد بيجيلكم نوم؟) ومن فضلكم محدش يشتم جدو على حكاية زى دى بيحكيها قبل النوم ॥ لأن الحكايات اللى هتتحكى بعد الصحيان من النوم ॥ حاجة تانية خالص ॥ تصبحوا على خير

الخميس، 4 يونيو، 2009

جدو يرحب بكم..أهلا


العجوز يرحب بكم فى أول تدوينة له ॥ وهى توافق يوم زيارة سيدنا أوباما لمصر وهو ما لن نعلق عليه لأنه لا يعنينا كثيرا ها هنا كما أننا (نحتفل) غدا بذكرى نكسة يونيو المجيدة وهو ما لن نعلق عليه أيضا لأنه موضوع سخيف।

ما أريد قوله ليس أكثر من (أهلا)॥مرحبا بكم فى عالم العجوز المخرف॥يمكنكم أن تدعوننى (جدو) قبل أن تكتشفوا أننى أتفه من أن اكون جدكم।

سوف نخرف كثيرا هنا॥سوف يستحسن بعضكم تخاريفى ويشد الآخرون شعورهم منها॥لكن الكل على الرحب والسعة فى جميع الأحوال